محمد بيومي مهران
169
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
جزاء المحسنين ، قال تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وبلوغ الأشد اكتمال القوة الجسمية ، والاستواء اكتمال النضج العقلي والعفوي ، وهو يكون عادة في سن الثلاثين ، فهل ظل موسى في قصر فرعون ربيبا ومتبنا لفرعون وزوجته حتى بلغ هذه السن ، أم أنه افترق عنهما واعتزل القصر ، ولم تسترح نفسه في ظل الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة ، كنفس موسى عليه السلام ، وبخاصة وأن أمه لا بد أن تكون قد عرفته من هو ومن قومه وما دينه ، وهو يرى كيف يسأم قومه الخسف البشع والظلم الشنيع ، والبغي اللئيم « 1 » . في الواقع ليس لدينا من دليل على شيء من ذلك ، وإن كان سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئا من هذا ، فلقد كان موسى ، فيما يبدو ، لا ينسى أنه من بني إسرائيل ، أولئك الذين فرض عليهم فرعون العذاب المهين ، وربما كان النبي الكريم يدرك أن اللّه إنما آتاه العلم والحكمة ليدرك قومه ، وينقذهم من ظلم فرعون وجبروته ، فكان كثير الحدب عليهم والشفقة بهم ، ومن ثم فقد تعرض بسببهم لمحنة قاسية ، انتهت به إلى الخروج من مصر ، والبقاء في مدين سنين عددا ، ذلك أنه ربما كان خارجا في أحد الأيام من قصر فرعون « ودخل المدينة على حين غفلة « 2 » من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ، هذا من شيعته « 3 » وهذا من عدوه ، فاستغاثه الذي من شيعته على
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 5 / 2681 . ( 2 ) الغفلة : روى عن ابن عباس : أنها بين العشاءين ، وروى عنه أيضا ، وعن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدى : أنها وقت القائلة يعني انتصاف النهار ( أنظر : تفسير القرطبي ص 4976 تفسير النسفي 3 / 229 ، تفسير الفخر الرازي 4 / 233 ، صفوة التفاسير 2 / 427 ، البداية والنهاية 1 / 241 ، ابن الأثير 1 / 98 ، تفسير البيضاوي 4 / 125 ) وقيل الغفلة عن ذكر موسى ونسيان أمره ( تفسير الفخر الرازي 24 / 233 ) . ( 3 ) يقول الفخر الرازي في تفسيره ( 24 / 233 - 234 ) قيل الرجلان كانا كافرين ، إلا أن أحدهما -